المحاكم البحرية المتخصصة
المطلوب إنشائها ودورها الإيجابى فى الفصل فى المنازعات البحرية
وتفعيل نصوص مواد القانون البحرى رقم 8 لسنة 1990
والمعاهدات البحرية الدولية المطبقة فى مصر
بقلم الأستاذ/ نبيل فرج
المحامى البحرى الدولى وعضو جمعية القانون الدولى بلندن
والعضو المدرج بنقابات المحامين الأمريكية والكندية والدولية
وعضو جمعية المحامين الأوروبيين بأسبانيا
من الجدير بالذكر أن المنازعات القضائية البحرية الحالية سواءً منها المحلية أو الدولية لازالت تختص بها المحاكم المصرية بدوائرهـا التجـارية أو ما يطلـق عليهـا عـمـليـاً ) دائرة تجاري كلي(ويرئسها مستشار بدرجة رئيس محكمة وهى وإن كانت تفصل فى القضايا البحرية المعروضة عليها ضمن القضايا التجارية، إلا أنه من الأجدر عملياً إنشاء دوائر بحرية متخصصة أو ما يطلق عليها )دائرة بحرى كلي( بكل محكمة إبتدائية يرئسها مستشار وقضاة متخصصين فى القانون البحرى المصرى وملمين بجميع المعاهدات البحرية الدولية والمطبقة حالياً والنافذة المفعول فى مصر، إذ أنه لايخفى على أحد اليوم فى هذا العصر الحديث من المشتغلين فى مجال التجارة والصناعة البحرية فى العالم أجمع أن التجارة والصناعة البحرية فى دول العالم المتقدم أصبحت هى الركيزة الأساسية وعصب النهوض بالاقتصاد للعديد من دول العالم المتقدم ،لذا كان لزاماً على الدول التى لم تلحق بهذه الدول المتقدمة فى هذا المجال سرعة اللحاق بركب التطور والنهوض بهذه الصناعة الهامه بكل ما لديها من قوة وإمكانات لتساير هذه الدول المتقدمة، حيث أنه من أهم عوامل الإرتقاء والنهوض بالتجارة والصناعة البحرية فى مصر هو توفير المناخ القضائى والمظلة القضائية التى تحكم هذه الصناعة والتجارة البحرية والتى تعد محور وعصب العديد من اقتصادات دول العالم المتقدم، ولتوفير هذا المناخ القضائى البحرى المتخصص يستلزم لذلك وجوب إنشاء المحاكم البحرية المتخصصة وذلك بإضافة دوائر بحرية بكل محكمة إبتدائية لتختص بالفصل فى جميع المنازعات والقضايا البحرية والحجوزات التحفظيه البحرية وجميع ما يحكم القوانين والمعاهدات البحرية الدولية المطبقة فى مصر ،ولاشك أن هذه المحاكم البحرية المتخصصة ستسهم بشكل كبير جداً فى تحديث الصناعة البحرية فى مصر عن طريق سرعة الفصل فى القضايا والمنازعات البحرية والحكم فيها من قضاة متخصصين ملمين بجميع القوانين والمعاهدات البحرية النافذة فى مصر، وهو ما نطالب به سيادة المستشار وزير العدل والذى أحدث سيادته طفره تقدمية كبيرة جداً بإنشاء المحاكم الإقتصادية فى مصر وعملها منذ 1/10/2008 وهى ولاشك قفزة كبيرة جداً ومتطورة فى إتجاه التقدم وتحديث النظام القضائى فى مصر، وسنعرض بإيجاز بعض سلبيات النظام الحالى المطبق حالياً وكذا أهم إيجابيات إنشاء المحاكم البحرية المتخصصة فيما يلى:
بعض سلبيات النظام الحالي المطبق حالياً :
( 1 ) إن من أهم سلبيات هذا النظام المطبق حالياً هى إصدار الأحكام فى جميع القضايا والمنازعات البحرية من قاضي غير متخصص، فالمتبع حالياً أن القاضي رئيس المحكمة الإبتدائية المختص بالفصل بالدوائر التجارية هو قاضى عادى غير متخصص يفصل فى القضايا المدنية والجنائية والتجارية والعمالية والأحوال الشخصية فى ذات الوقت، فيحدث أن ينظر القاضى فى القضايا التجارية ثم بعد ذلك القضايا المدنية ثم العمالية ثم الأحوال الشخصية، وهو أمر شاق جداً ومرهق للقاضى التجارى ومن الممكن أن يؤثر تأثيراً سلبياً على الفصل فى القضايا والمنازعات البحرية والتى لا شك فى إحتياجها للقاضى البحرى المتخصص الملم بجميع المعاملات البحرية المحلية منها والدولية وكذا الدراية بجميع المصطلحات والمستندات البحرية المتخصصة باللغتين العربية والإنجليزية معاً بما فيها سند الشحن Bill of Lading وأطرافه من الراسل والمرسل إليه والشحنة وأنواعها وبياناتها والشاحن والناقل البحرى والدور القانونى لكل منهم ،وكذا مشارطة إيجار السفينة Charter Party ، وكذا بوليصة التأمين Insurance Policy ، وكذا الحجوزات التحفظية على السفن، إلى أخر ذلك من جميع القضايا والمنازعات البحرية المتخصصة والتى تحتاج للقاضي المتخصص فى هذا الشأن.
( 2 ) إن المتبع حالياً هو اختصاص الدوائر التجارية بكل محكمة إبتدائية بالفصل فى المنازعات البحرية والتى تتمركز حالياً فى المدن التى تنشأ بها هذه المنازعات كالقاهرة وبورسعيد والسويس والأسكندرية ودمياط ومعظمها من المدن التى بها موانئ بحرية ودوائر جمركية تستقبل الرسائل والشحنات البحرية الوارده لمصر أو المصدره منها ،ومن المتعارف عليه أن دوائر المحاكم التجارية تظل فى موقعها حوالى سنتان ثم تنتقل لمحاكم أخرى ثم تأتى دوائر تجارية أخرى بعيده كل البعد عن القضايا والمنازعات البحرية والقوانين والمعاهدات البحرية المطبقة فى مصر ،مما قد يؤثر تأثيراً سلبياً فى الأحكام الصادرة فى هذه القضايا والمنازعات البحرية والتى تحتاج للقاضى البحرى المتخصص.
( 3 ) إن النظام الحالى المتبع حالياً يؤدى لإطالة أمد المنازعات والقضايا البحرية فى مصر والتى تمتد حالياً لمدة من سبع إلى عشر سنوات مع إدراجها فى القضايا التجارية العادية والتى تتسم بالكثافة من حيث العدد المنظور أمام المحاكم التجارية، فالجارى عليه العمل أن الدعاوى البحرية الحالية تستمر لمدة حوالى أربع سنوات أمام المحكمة الإبتدائية فعادةً ما تؤجل تأجيلات كثيرة للإنتهاء من ترجمة المستندات ترجمه رسمية ثم بعد ذلك إحالتها للخبير وخلاف ذلك من التأجيلات الطويلة ثم بالفصل فيها إبتدائياً يتم الطعن عليها بالإستئناف والتى تستمر أيضاً مدة حوالى ثلاث سنوات أخرى الأمر الذى يؤثر سلباً على إمكانية تحصيل الديون البحرية ومعظمها كبيرة فى وقت وجيز ،وهو غالباً ما يعتبره الأجانب فقداً وضياعاً لحقوقهم حتى ولو تحصلوا عليها بعد عدة سنوات، الأمر الذى يؤثر تأثيراً سلبياً على الصناعة البحرية فى مصر وهروب الأجانب من الإستثمارات البحرية فى مصر خوفاً من الوقوع فى هذه المنظومة المعقدة فى المنازعات البحرية.
( 4 ) إن إحالة الدعاوى البحرية لمكاتب خبراء وزارة العدل وهو غالباً ما يكون خبير محاسبى من خريجى كليات التجارة غير متخصص وليس خبيراً بحرياً يؤدى أيضاً لصدور التقارير المغلوطه والتى تنتهى لنتائج غير صحيحة وغير متصلة بحقيقة مواضيع المنازعات والقضايا البحرية، إذ كيف يصدر خبير محاسبى تقريراً فنياً عن منازعة بحرية وعلاقات بحرية تحتاج لخبير بحرى متخصص ملم بجميع المعاملات البحرية والتجارية الدولية بما فيها عمليات الإستيراد والتصدير والشحن والتفريغ وسندات الشحن ومشارطات الإيجار والتأمين البحرى إلى أخر ذلك من جميع المنازعات البحرية الدولية والتى هى فى حاجة ماسة للخبير المتخصص، وهو ما يؤثر تأثيراً سلبياً فى تقارير الخبراء الصادرة فى هذه المنازعات البحرية مما ينعكس سلباً على الأحكام الصادرة فى هذه القضايا البحرية.
( 5 ) عدم وجود المترجمين البحريين المتخصصين يؤثر كذلك فى التراجم الصادرة والمقدمه للمحكمة قبل الفصل فى المنازعات البحرية، إذ لاشك أن عملية الترجمة للمستندات البحرية تحتاج للمترجم المتخصص والملم بالمصطلحات البحرية المتخصصة لكى لا يبتعد تماماً عن المعنى المقصود للمصطلح أو اللفظ البحرى المقصود والمذكور فى المستندات المقدمه فى المنازعات البحرية وربما يغير معناه تماماً بغير قصد مما قد يؤثر على مجريات الأمور فى الدعاوى البحرية ويحدث اللبس والأخطاء الجسيمه، ويتبين هذا الأمر عند ترجمة الإختصارات للمصطلحات البحرية كمثال ذكر حرفى B/L فأحياناً يقوم المترجم بترجمتها بى/إل كما هى فى حين أن المقصود بها هى سند الشحن أو Bill of Lading ، وكذا C/P فيقوم بترجمتها سى/بى فى حين أنها إختصار لكلمة مشارطة إيجار السفينة Charter Party وهكذا مما يؤثر أيضاً تأثيراً سلبياً على الفصل فى أحكام هذه المنازعات والقضايا البحرية.
أهم إيجابيات إنشاء المحاكم البحرية المتخصصة.ومن ناحيه أخرى فإن أهم إيجابيات نظام المحاكم البحرية المتخصصة والتى نطالب بإنشائها وإلحاقها بدوائر كل محكمة إبتدائية تقع فى مقر كل ميناء بحرى أومنطقه جمركية على الأقل هى ما يلى:
( 1 ) إن من أهم إيجابيات هذه المحاكم البحرية المطالب بتطبيقها هى إصدار الأحكام فى جميع القضايا والمنازعات البحرية من القاضى المتخصص المدرك والملم بكل النواحى والمعاملات البحرية والتجارة الدولية والنقل البحرى وكذا الدراية بجميع المصطلحات والمستندات البحرية المتخصصة باللغتين العربية والإنجليزية معاً بما فيها سندات الشحن وأطرافه راسل ومرسل إليه والشحنة وأنواعها وبياناتها والشاحن والناقل البحرى والدور القانونى لكل منهم، وكذا مشارطات إيجار السفينة ، وكذا بوالص التأمين، وكذا الحجوزات التحفظية على السفن، إلى أخر ذلك من جميع القضايا والمنازعات البحرية المتخصصة ولا ينشغل بقضايا ومنازعات أخرى كالقضايا المدنية والجنائية والعمالية والأحوال الشخصية، فلايخفى على أحد أن التخصص هو سبب نجاح جميع الدول الأوربية المتقدمة، مما يؤثر تأثيراً إيجابياً كبيراً على الفصل فى القضايا والمنازعات البحرية والتى لا شك فى احتياجها لهذا القاضى البحرى المتخصص وهو ما نطالب به سيادة المستشار وزير العدل بالأخذ بهذا الإقتراح وتطبيقة.
( 2 ) ويعد ثانياً من إيجابيات هذا النظام المقترح هو توفير القاضى البحرى المتخصص فى دائره المحكمة البحرية والذى لايتغير كل فترة السنتان المتبعه فى هذا الشأن، وإذا فرض بتغييره فيأتى مكانه قاضى بحرى متخصص آخر فى ذات المحكمة البحرية ليختص بالفصل فى المنازعات والقضايا البحرية وفقط، مما يستوجب إنشاء دائرة بحرية بكل محكمة إبتدائية بها ميناء بحرى أو دائرة جمركية تختص بالفصل فى المنازعات البحرية والتى تتمركز حالياً فى المدن التى تنشأ بها هذه المنازعات كالقاهرة وبورسعيد والسويس والأسكندرية ودمياط والعين السخنة وغير ذلك من المدن التى بها موانئ بحرية ودوائر جمركية تستقبل الرسائل والشحنات البحرية الوارده لمصر أو المصدرة منها، مما قد يؤثر تأثيراً إيجابياً على الأحكام الصادرة فى هذه القضايا والمنازعات البحرية والتى تحتاج للقاضى البحرى المتخصص.
( 3 ) ويعد ثالثاً من إيجابيات هذا النظام المقترح هو تقصير أمد المنازعات والقضايا البحرية فى مــصـر أو ما يــعرف بمبــــدأ « العدالة الناجزة » وتقصير هذه المنازعات لمدة أكثرها سنة على الأقل لنظرها أمام المحكمة البحرية الإبتدائية والإستئنافية كذلك مساواةً بالدول المتقدمه حيث سيتم فصلها عن القضايا التجارية العادية والتى تتسم بالكثافة من حيث العدد المنظور أمام المحاكم التجارية، فإلمام القاضى البحرى باللغة الإنجليزية وإلمامه بالمستندات البحرية المتخصصة وبالمصطلحات البحرية ستغنينا عن طلب الترجمة والمدة التى تطول بسببها، وستغنينا أيضاً عن الإستعانة بخبير محاسبى غير متخصص وإستمرار الدعاوى بمكاتب الخبراء ما يزيد عن السنتان بلا فائدة وبلا نتيجة قاطعة أوتقرير وافى فى هذه المنازعات البحرية، فيكون القاضى البحرى هو الخبير والمترجم والقاضى المتخصص فى ذات الوقت، مما يؤثر تأثيراً إيجابياً على سرعة الفصل فى القضايا والمنازعات البحرية وفى أسرع وقت ممكن وصدورها من قاضى متخصص فى القانون البحرى وفقط، الأمر الذى يؤثر بالإيجاب على إمكانية تحصيل الديون البحرية والتى يكون معظمها كبيرة وفى وقت وجيز، مما يشجع الأجانب على الإستثمار فى مصر وتكون مصر جاذبه للإستثمارات الأجنبية فى هذا المجال، فيدرك الأجنبى أنه فى حالة حدوث أى نزاع قضائى فى مصر يكون طرفاً فيه سيحصل على حقه بسرعة إن كان له مقتضى وفى وقت مناسب، الأمر الذى يؤثر تأثيراً إيجابياً على الصناعة البحرية فى مصر.
( 4 ) ومن أهم إيجابيات هذا النظام المقترح هو الإستغناء عن إحالة الدعاوى البحرية لمكاتب خبراء وزارة العدل والذى يكون غالباً خبيرا محاسبياً غير متخصص وليس خبيراً بحرياً، فوجود القاضى البحرى المتخصص يغنى عن الإستعانه بالخبير المحاسبى والذى غالباً ما يصدر التقارير المغلوطة والتى كثيراً ما تنتهى لنتائج غير صحيحة وغير متصلة بمواضيع المنازعات والقضايا البحرية، فالقاضى البحرى المتخصص يكون هو الخبير البحرى أيضاً وذلك بإلمامه بجميع المعاملات البحرية والتجارية الدولية بما فيها عمليات الإستيراد والتصدير والشحن والتفريغ وسندات الشحن ومشارطات الإيجار والتأمين البحرى إلى أخر ذلك من جميع المنازعات البحرية الدولية، وهو ما يؤثر تأثيراً إيجابياً على الأحكام الصادرة فى هذه المنازعات والقضايا البحرية وسرعة الفصل فيها.
( 5 ) ومن أهم إيجابيات هذا النظام المقترح هو عدم الحاجه لمترجمين غير متخصصين عملياً فى هذا المجال البحرى المتخصص يؤثرون سلباً فى الترجمة الصادرة للمستندات البحرية، فوجود القاضى البحرى المتخصص والملم باللغة الإنجليزية يغنى عن المترجم غير المتخصص فيكون هو القاضى والمترجم فى ذات الوقت وذلك بإلمامه بالمصطلحات البحرية المتخصصة ولا سيما الإختصارات البحرية ويكون هو الأقدر على فهم المقصود بالمصطلحات البحرية المدرجة بالمستندات المقدمه بالدعاوى والمنازعات البحرية، وبذلك لايبتعد عن المعنى المقصود للمصطلح أو اللفظ البحرى المقصود منه والمذكور فى المستندات المقدمه وبالتالى لا يغير من معناه أو مفهومه مما قد يؤثر تأثيراً إيجابياً على مجريات الأمور فى الدعاوى البحرية، ويؤثر بدوره تأثيراً إيجابياً على الفصل فى هذه المنازعات والقضايا البحرية.
وخلاصة ذلك: إن إنشاء هذه المحاكم البحرية المتخصصة وإلحاقها بدائرة كل محكمة إبتدائية بكل مدينة بها ميناء بحرى أو دائرة جمركية وتوفير القاضى البحرى المتخصص بها يوفر الوقت والجهد ويؤدى لسرعة الفصل فى القضايا والمنازعات البحرية مما يشجع على زيادة الإستثمارات البحرية فى مصر، وهو ما نطالب به سيادة وزير العدل بتبنى هذا الإقتراح الهام.